جمال الدين محمد الخوانساري

6

التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية

كسابقه فلعلّ ملتمس بعض الدّيانين على ما ذكره اوّلا كان ان يصنف كتابا ويرسله إلى السّلطان في مقابلة تلطفاته لا لنفسه كما هو ظاهره ويمكن ان يكون حكاية السلطان قد تم عند قوله واعتذر اليه ويكون قوله وصنّف له من تتمة ما حكاه اوّلا من التماس شمس الدين محمّد الآويّ ويكون الضمير راجعا اليه ولعل هذا أوفق بقوله واخذ شمس الدين محمد الآوي نسخة الأصل إلى آخره وعلى هذا فلا اشكال فافهم قوله وهي في يد الرّسول اى الرّسول كان يأخذها بيده وينسخها الكاتب ولم يعطها الكاتب لينسخها ولم يصنعها من يده تعظيما لها أو المراد انه استعجل بعض الطلبة ونسخها في الزّمان الذي كانت فيه عند الرّسول مع ضيقه تعظيما لها ولكمال عظمها عنده والأول أظهر بحسب العبارة فافهم قوله اى مقول في حقه هذا ما يوجبه المبتدأ ليرتبط به الجملة الانشائية فيصير التقدير وهو مقول في حقه نعم المعين فيكون من عطف الخبرية على الخبرية قوله أو بتقدير المعطوف عليها انشائية بان يحمل على الدعاء فيكون بمعنى اللّهم احسبنا أو على انشاء المدح قوله فيكون عطف مفرد متعلقه إلى آخره فان تقديره كما ذكر سابقا ومقول في حقه نعم المعين فقد عطف المفرد الذي متعلقه جملة انشائية وهو مقول على مفرد وهو الخبر السّابق اعني حسبنا فلا يرد انه حينئذ وان لم يلزم عطف الانشاء على الخبر لكن يلزم عطف المفرد على الجملة وهو ليس أولى بالجواز من الأول فتأمّل قوله أو يقال إن الجملة التي لها محل من الاعراب لا جرح في عطفها كذلك اى على المفرد وكذا في عطف الانشائية منها على الخبرية وبالعكس على ما حققه السّيد الشريف قدّس سرّه في حواشي شرح التلخيص ونقله عن صاحب الكشاف وفصل القول فيه وحينئذ فإذا عطف الجملة الثانية على خبر المعطوف عليها كان لها محل من الاعراب فلا جرح في عطفها على المفرد ولا حاجة في تصحيح العطف إلى تقدير المفرد المذكور وان احتيج اليه في تصحيح خبريتها على ما هو المشهور أو يؤوّل خبر المعطوف عليها إلى معنى الفعل اى يحسبنا ويكفينا فيكون من عطف الجملة على الجملة ولا يضرّ الاختلاف في الخبرية والانشائية إذا كان لهما محل من الاعراب وقصد بالعطف تشريكهما في حكم ذلك الاعراب نعم في تصحيح خبريتها يحتاج إلى تأويل على ما هو المشهور هذا غاية توجيه كلامه ولا يبعد ان يظنّ انه كان في خياله انهم ذكروا هذا الوجه لدفع الاشكال عن قوله تعالى قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ بناء على أن الواو من الحكاية لا من المحكى فاجراه هاهنا أيضا وغفل من أن اجراه هاهنا انما هو على تقدير جعلها عطفا على خبر المعطوف عليها وقد جعل ذلك وجها على حدة فليس في هذا الوجه زيادة فائدة بخلاف ذلك في الآية الكريمة فتأمّل قوله في الحاشية وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا في سورة البقرة فان سابقه فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وكان وجه الاستدلال جعله عطفا على أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وهي خبرية والمعطوفة انشائية والجواب كما أشار اليه في الكشاف انه ليس الغرض عطف خصوص الامر حتى يطلب له مشاكل بل قصد إلى عطف كلام فيه ثواب المؤمنين على كلام فيه ثواب الكافرين وشرطه المناسبة بين الغرضين لا بين اجزاء الكلامين بل يكفى فيهما تضمّنهما ما يصلح للعطف كقولك زيد يعاقب بالقيد وبشر فلانا بالاطلاق ومآل الكلام هاهنا و الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فبشّرهم بذلك وجوز أيضا عطفه على فَاتَّقُوا وفيه ان عطف على الامر لمخاطب آخر من غير تصريح بالنّداء مما منعه النحاة وليس أولى بالجواز من عطف الخبر على الانشاء وأورد عليه أيضا انه لا يصح ان يكون جوابا للشرط إذ ليس الامر بالتبشير مشروطا بعجز الكافرين عن الاتيان بمثل القرآن ودفع تارة بأنه قد علم أن الكافرين غير المؤمنين فكأنّه قيل فإن لم يفعلوا فبشّر غيرهم بالجنّات ومعنى هذا فبشّر هؤلاء المعاندين بانّه لا حظّ لهم في الجنّة وتعليقه على الشرط باعتبار انه إذا عجزوا ولم يؤمنوا مع ذلك ظهر تعصّبهم وعنادهم ولجاجهم في الكفر بلا عذر فحينئذ استحقوا الحرمان من الجنان فلذا علق الامر ببشارة غيرهم المتضمّن لحرمانهم على الشرط المذكور كما في امرهم بالاتقاء فان تعليقه أيضا ليس الا باعتبار ما ذكرنا وتارة بأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر اعجازه وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب ومن آمن به استحق الثواب وذلك يستدعى ان يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء فافهم وذكر الدّمامينى في شرح المغنى ان بناء الاستدلال بهذه الآية على أن الانشاء لا يقبل التعليق ما دام باقيا على الانشائية فإذا وقع مطلقا احتيج إلى تأويله بما يكون خبرا في المعنى فكان التقدير في الآية فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ المطلوبة منكم قال الآمر إلى كون الجملة الشرطية في المعنى خبرا وقد عطفت الثانية عليه وهي انشائية لفظا ومعنى فجاء ما قالوه انتهى وكان هذا بناء على ما ذهب اليه المنطقيّون من أن الارتباط في القضيّة الشرطية انما هو بين المقدم والتّالى ولا حكم في شيء من الطرفين بالفعل وهما المحكوم عليه وبه في الشرطيّات ومال الشرطية إلى أن هذا ملزوم لذلك إذ الظاهر أنه حينئذ لا بدّ من تأويل الانشاء إلى الاخبار ليمكن الارتباط بينهما وامّا على ما ذهب اليه أهل العربيّة من رجوع الشرطية إلى الحمليّة وان الخبر والقضية هو التّالى والشرط قيد له بمنزلة الحال أو الظرف فلا يتم ما ذكره إذ كما يمكن تقييد الحكم الخبرىّ بشرط كذلك يمكن تقييد الحكم الانشائي به فقولك ان جاءك زيد فاضربه بمعنى اضرب زيدا في وقت مجيئه هذا ويمكن ان يقال إن اضرب زيدا في وقت مجيئه انما يصح بلا تأويل يجعل الظرف ظرفا للضرب المستفاد من اضرب لا لاضرب فيصير الامر مطلقا بالضرب المقيد والامر المشروط ليس كذلك بل مفاده اشتراط الامر بشيء وحينئذ فلا بدّ من تأويله إلى الخبريّة كما ذكره وفيه على تقدير تسليمه انّ التأويل فيه بارجاعه إلى الامر بالمقيّد ليس بأبعد من التأويل بارجاعه إلى الخبريّة فلا يصح الاستدلال به على العطف المذكور فتدبّر ثمّ بناء ما ذكره على أن المعطوفة لا يمكن دخول الشرط عليه فهي انشائية لفظا ومعنى وبما ذكرنا من الوجهين في دفع الايراد عن الجواب الثاني ظهر لك فساده فما نقلنا من الجوابين يتأتى على هذا الوجه أيضا لا يقال أنه إذا بنى الكلام على أن الشرط لا يمكن ادخاله على المعطوفة فتهدم بنيان الدليل إذ لا يمكن العطف حينئذ على الجزاء ضرورة انه مع العطف لا بدّ ان يدخل على المعطوف ما دخل على المعطوف عليه لأنا نقول إنه لم يجعل العطف على الجزاء بل على مجموع الشرط والجزاء كما ينادى به آخر كلامه فلا يلزم ما ذكرت وحينئذ فاثبات خبرية الجزاء انما هو لاثبات خبرية